حسن ابراهيم حسن

88

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

مستعمرة للفرس الذين لم يدينوا بدين سماوي - فلم يطمئن الرسول إلى الالتجاء إليها . وقد برهنت الأيام على بعد نظره ، فقد كتب كسرى « 1 » . إلى « باذان » عامله على اليمن : « ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين من عندك فليأتيانى به » . وكذلك كان شأن الحيرة التي كانت إلى ذلك الحين بعيدة غاية البعد عن مكة . أما الشام فهي بعيدة كذلك ، فضلا عما كان يسودها هي والحيرة إذ ذاك من اضطراب . ولا يخفى استحالة الهجرة إلى مكان قصى كالحيرة والشام على أولئك اللاجئين الذين كانوا يخرجون من مكة فقراء مستخفين من قريش لئلا تحول بينهم وبين الخروج ، ثم إن كلا من الشام واليمن والحيرة كانت أسواقا هامة لتجارة قريش . وكان لقريش بكل منها صلات وثيفة ومصالح متبادلة وزيارات في أوقات منتظمة . فإذا علمت هذه القبيلة بوجودهم في بلد منها . طلبت إلى أهل ذلك البلد أن يردوهم إليها ويخرجوهم منها ، كما حاولت ذلك مع النجاشي لولا تسامحه وقوة خلقه . لذلك اتجه الرسول إلى بلاد الحبشة لما كان يعرف في ملكها من العدل والتسامح . وفي ذلك يقول الرسول للمسلمين : « فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق » . وقد هاجر عشرة رجال وأربع نسوة ، ثم زاد عددهم حتى بلغ ثلاثة وثمانين رجلا وسبع عشرة امرأة سوى الصبيان ، وكلهم من بطون قريش . وكان فيهم عثمان بن عفان : وزوجه رقية بنت الرسول ، والزبير بن العوام وعبد اللّه بن عوف ، وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص . وقد أكرمهم النجاشي وأمنهم على حياتهم وأصبحوا في رغد من العيش . « فلما رأى قريش أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد آمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ، ائتمروا فيما بينهم على أن يبعثوا منهم رجلين جلدين إلى النجاشي ليخرجهم من بلاده ، فبعثوا عبد اللّه بن

--> ( 1 ) كان ذلك عندما وصل إليه كتاب الرسول يدعوه إلى الإسلام وترك المجوسية ، فغضب ومزق الكتاب وأهان حامله ، وكتب إلى باذان ليحمل إليه هذا النبي على ما سيأتي في دعوى عمومية الرسالة .